Abbout Productions
Search
Join Us On

LATEST NEWS

"القطاع صفر" لنديم مشلاوي: رحلة الى الجوف (03/05/2012)

في أول عمل وثائقي له، يفاجئنا نديم مشلاوي بشريط أخّاذ، غير مساوم على القضايا التي يطرحها. "القطاع صفر" (68 د.) ليس فيلماً آخر عن الحرب وكيف نتعايش معها ونتجاوز آثارها بعد عقدين من نهايتها الرسمية. انها لحظة سينمائية قاسية بكل المعايير. المخرج الشاب يصطحبنا في رحلة الى الجوف، الى الحيز المتروك للذكريات العفنة، الى الجدران التي، ويا للأسف، ليس لها ألسنة لتبوح بما عاشته في سنوات "العار" اللبناني. الحجر الصحي، المسلخ، الدباغات. أمكنة غير مرغوبة، بقدر تجربة استحضار الماضي التي ينبذها كثر. هذه الأمكنة تقع كلها في منطقة بيروتية واحدة: الكرنتينا. يذهب اليها المخرج، وفي عينه الكثير من التساؤلات. كاميراه تتحول لسان حال يمّكنه من الاستغناء عن التعليق. 
هي كاميرا حاضرة وليست غائبة. لكنها كاشفة، رشيقة، مزعجة، فضولية، شاعرة. مشلاوي يعمّق اطروحته في هذا المكان وحوله. كامب شرشبوك، كامب هاجن وبيوت الصفيح الساخن. تاريخياً، الكرنتينا أوت الأكراد والأرمن والفلسطينيين، أي كل الأقليات في لبنان والشرق العربي. ضحايا النكبات أو الابادات. "المسلخ بدو غنم وبدو ناس بيشتغلوا بالسلخ والذبح. هون أكواخ تنك وخشب"، يقول صوت من أصوات الفيلم. هؤلاء أتوا اليها تجاراً ومهاجرين، منها قفزوا لاحقاً الى متن المدينة. ماذا حدث بعد ذلك، وتحديداً بعد 1975؟ كلنا نعرف الحكاية: كتائب و"فلسطينيي" والحركة الوطنية! ولكن، يبدو أن الأمكنة لا تنسى...
واحد من مراكز الثقل في الفيلم هو الشريط الصوتي: ضجيج، ذبذبات، مؤثرات الكترونية. انه شغل موحٍ وملهم، يعتمل فيه العنف والقلق والتوتر العالي. صوت فوق صوت، الخ. الصورة، هي الأخرى، تمشي على هذا المبدأ. الوانها مخففة، منزوعة الحياة، في اسلوبيتها شيء من الفيديو آرت. الـ"فلو" كثيف. كالضباب الذي يطفو على سطح الذاكرة. لا غبار على الجماليات والتقنيات. نصل الى الشهادات. هنا تبرز الاشكالية: كيف نوفي هذه المعالجة البصرية الفريدة، شبه التجريبية، حقها؟ ما العمل كي لا يبقى الكلام أقل أهمية من الصور. المتداخلون الثلاثة، اصحاب فكر وتجربة، يعطون ما في وسعهم. العالم النفساني شوقي عازوري يتكلم عن الطفل والتوتيم وقتل الأب وجريمة كترمايا من بين تيمات أخرى. يبدأ باهتاً ليتحول شيئاً فشيئاً الى دور بطولة في فيلم رعب. سواد حالك، ظلام، نصفه في الظل. هكذا يريده المخرج، هكذا سيكون. 
هناك ترافيلينغ بطيء على مجموعة ثقوب ضخمة في جدران موازية كأنها شاشات متداخلة، وهو ترافيلينغ قد يعتقد المرء انه سيفضي الى عازوري جالساً أمام الكاميرا. لا شي من هذا. بيد ان هناك دائماً أحساساً بأن الشخصيات في مكان ما من الصورة. فوقها أو تحتها. منوط بها تجميع قطع البازل اللبنانية عبر العصور.
عندما نقول شهادات نقول زلات. "فينا نسأل ليش في بلد مثل لبنان بيحوي الغريب؟"، يقول عازوري في جملة غير مفهومة، غريبة على سياقها. في أماكن عدة، الكلام غير المتجانس مع الصور، يبطئ ايقاعها. على كل حال، في هذا الطرح يناقضه المتدخل الثاني، الكاتب والصحافي حازم صاغية يقول: "في لبنان قوة الطرد اقوى بكثير من قوة الاستقبال"، شارحاً ان حروباً خيضت للقضاء على عدو غير موجود. اما المهندس المعماري برنار خوري، فيرد المسألة الى عدم قدرة اللبنانيين على كتابة تاريخهم بأنفسهم. وفي حين ان الكثير من الأفلام تحاول الإجابة عن سؤال "لوين رايحين؟"، يفارقنا الفيلم من دون وداع، مرفوع الرأس، غير مطمئن.

جريدة النهار