Abbout Productions
Search
Join Us On

LATEST NEWS

سيمون الهبر: «الحوض الخامس» عن بيروت أكثر مما هو عن المرفأ (10/05/2012)

يستمرّ المخرج الوثائقي اللبناني سيمون الهبر في الحفر عميقاً في بنية الكيان اللبناني، باستدعائه حكايات فردية مرتبطة بذاكرة أناس ومجتمع وبلد. في العام 2008، حقّق «سمعان بالضيعة» مع عمّه، العائد إلى قرية «عين الحلزون» بعد أعوام مديدة على تهجير أبنائها أثناء «حرب الجبل» في مطلع ثمانينيات القرن الفائت، والمقيم الوحيد فيها لغاية اليوم. في هذا الفيلم، فكّك الهبر الآنيّ، في رحلة العودة إلى ذاكرة الحرب والتهجير والتمزّق الإنساني والقصص الذاتية. في العام الفائت، أنجز «الحوض الخامس»، مرافقاً والده هذه المرّة في رحلة إلى الماضي أيضاً، عبر راهن مدينة أطلّ عليها من خلال مرفئها البحريّ.

الاختبار الشخصي

شكّل «سمعان بالضيعة» لحظة سينمائية وثائقية متماسكة الأدوات التعبيرية، تصويراً وتوليفاً ومضموناً مفتوحاً على بؤس الحالة اللبنانية. وتابع «الحوض الخامس» المشروع السينمائي للهبر، وإن بشكل مختلف في ترجمة الحكايات الفردية إلى صُوَر سينمائية: «عندما يريد المرء أن يفعل شيئاً ذاهباً به إلى العمق، لا مجال له إلاّ أن ينطلق من تجربة شخصية»، كما قال. أضاف أن «هذا يسمح له بالغوص في قصص يعرفها، وباكتشاف أشياء جديدة. عليه الانطلاق من قاعدة يستطيع السيطرة عليها، بحدّ أدنى على الأقلّ. من هذا المنطلق، أنجزت «سمعان بالضيعة». مع «الحوض الخامس»، حاولت في البداية الهرب من قصّةٍ مع أبي. الفكرة مرتبطة بسائقي الشاحنات في المرفأ، لمعرفتي بهم. صغيراً، كنتُ أذهب مع أبي في الشاحنة إلى هناك، ما أكسبني معرفة بهم سمحت لي بالتعمّق معهم كأشخاص. أثناء تطوير المشروع، لاحقني طيف أبي، إلى درجة جعلتني أشعر أني أهرب من شيء موجود معي دائماً، وأني إذا استمرّيت في الهرب، فإنّي سأهرب من الفيلم الذي أريد إنجازه. قبل أسابيع قليلة على بدء التصوير، قرّرت مواجهة نفسي، ومواجهة أبي. لكن، في بداية التصوير، كنتُ لا أزال في مرحلة إنكار وجود أبي. صوّرته في المستشفى. أردتُه أن يحضر في الفيلم بأدنى حدّ ممكن. لكن، بعد أربعة أيام من التصوير، شعرتُ أني لن أنصفه إذا أظهرته رجلاً مريضاً فقط. صحيح أنه رجل مريض، لكنه غير مستسلم، ولديه مشاريع يريد تحقيقها. شعرتُ أنه ظُلِم، وأن أشياء كثيرة أحَبَّ قولها سأفقدها إذا اكتفيتُ بتصويره في المستشفى».
يمكن القول إن هذين الفيلمين «مع» عمّه وأبيه، وليس «عن» عمّه وأبيه: «قبل عودة عمّي إلى الضيعة، أحببتُ إنجاز شيء ما عن الموضوع. ليس عن حرب الجبل بحدّ ذاتها، تلك التي لم يُحكى عنها سابقاً. بل لأني أراها نموذجاً دقيقاً وواضحاً جداً عن الحرب اللبنانية كلّها. نموذجاً عن علاقة المجتمع بالذاكرة. أنا قادم من ضيعة «عين الحلزون» (قضاء عالية)، التي تهجّر أهلها منها وأنا في الثامنة من عمري. الذاكرة غير واضحة تماماً. هناك صورة مبهمة وجميلة ومثالية. أثناء الحرب، كانت لقاءات الأهل وأفراد العائلة مناسبة لتذكّر الضيعة، متحدّثين عن العودة إليها. كنتُ أشعر بأن نهاية الحرب ستُعيدهم إلى هناك. لكن هذا لم يحدث. في العام 2005، بدأتُ العمل على الفيلم الأول، ولم يعد أحد منهم إلى الضيعة. مع هذا، لم أع ثر على المدخل السينمائي. لم تكن لديّ الخبرة أو النضوج الكافي. بعد خمسة أعوام على عودة عمّي إلى الضيعة، امتلكت خبرة. عندما عاد، فكّرت أنها عودة لمدّة قصيرة. وعندما تأكّد بقاؤه فيها، عثرت على عامل سينمائي أتناول عبره الفكرة السابقة (الذاكرة والعلاقة بها). هكذا قررتُ اتّخاذه محوراً للفيلم: شخصية كاريزماتية ومهضومة، بالإضافة إلى قصّة خام، تشبه القصص العامة في البلد. الديكور بحدّ ذاته سينمائي. اكتملت العوامل السينمائية، وبَقِي عليّ كيفية جمعها، وخلق صلة وصل بين القصص كلّها لصنع الفيلم».
تدفع مشاهدة «الحوض الخامس» إلى إقامة مقارنة بينه وبين «سمعان بالضيعة» بمستوياته كلّها: «قليلون همّ الذين شاهدوا «الحوض الخامس» فور انتهائي من تحقيقه. جاء هؤلاء لمشاهدته، حاملين معهم «سمعان بالضيعة». للأسف الشديد، ورث «الحوض الخامس» نجاح الفيلم الأول. أتخيّل أن هذا سيكون ضده في مطارح كثيرة. هناك من أقام مقارنة بين الفيلمين، قائلاً إن الأول أفضل. المقارنة موجودة. لكن بالنسبة إليّ، الفيلمان لا يُقارَنان. المشترك الوحيد بينهما هو المخرج. ربما طريقة التصوير والمونتاج أيضاً، لأني أشعر بالطريقة نفسها. ثلاثة أعوام مرّت بين الفيلمين. لم أتطوّر كثيراً للابتعاد عن بداياتي، ولديّ مشوار طويل لأثبت نفسي كمخرج. في «الحوض الخامس»، طريقة العمل مختلفة، من الإخراج إلى التوليف. والتحضيرات أيضاً: بالنسبة إلى الفيلم الأول، كتبتُ قصّته كلّها. حدّدت ما سأصوِّره. وضعت الحوارات مع عمّي والآخرين. حضّرت كل شيء. في الفيلم الثاني، الوضع مختلف. طريقة التحضير والتصوير والمونتاج كلّها مختلفة. قصدتُ أن يكون المشروع الثاني اختباراً مختلفاً عن الأول. رسمتُ خطاً لأمشي عليه، لكنه لم يكن ثابتاً أو واضحاً تماماً. خلال فترة الإنتاج، كان كل شيء يحدث بالتفاعل مع العوامل الموجودة بين يديّ. بهذا المعنى، أشعر أنه لا يمكن المقارنة بين الفيلمين تماماً». أضاف الهبر: «أثناء تحضير «الحوض الخامس» تساءلت عمّا إذا كان هذا المشروع ردّة فعل على «سمعان بالضيعة»، أم طريقة عمل مختلفة؟ حاولتُ ألا أجعل «سمعان بالضيعة» مرجعية. أفهم أن هذا صعبٌ بالنسبة إلى المُشاهد. بالنسبة إليّ، حاولتُ فعلياً ألا ينوجد «سمعان بالضيعة» في «الحوض الخامس». كنتُ أعرف أني سأقع في مطبّ كهذا. كنتُ أعرف أن في «الحوض الخامس» مجازفة، خصوصاً في هذه المرحلة من مسيرتي المهنية، في هذه الخطوة التالية لـ«سمعان بالضيعة»، بعد أن بات لي اسم، وأقولها من دون أنانية. فبعد «سمعان بالضيعة»، صرتُ مخرجاً مؤلّفاً».

ترابط

من ناحية أخرى، لم يوافق سيمون الهبر على فكرة مفادها أن في فيلمه الثاني قصصاً كثيرة غير مترابطة بعضها مع البعض الآخر: «ربما تأخّرَتْ لحظة ظهور الترابط، لكن الترابط قوي جداً. في الفيلم خطّان: المرفأ والأب. سار الخطّان بشكل متوازٍ، ثم التقيا لاحقاً، وبعد اللقاء سارا بشكل متوازٍ لكن عن قرب أكثر هذه المرّة. روى سائقو الشاحنات خبريات عنهم، وعن مناخ المرفأ، وعن المشاعر. تحدّثوا عمّا قبل الحرب، وعن فترتها، وعمّا بعدها. كانت لديهم خبريات يجب أن تصل. هذه الشخصيات مركّبة كجزء من شخصية أكبر هي المرفأ. مع هذا، اتّكلت على قوّة شخصية الأب في الفيلم، تلك الشخصية التي ينتظرها المشاهدون، وينتظرون عودتها. هناك نوع من فراغ بين ظهوري الأب في المسار الدرامي. ربما يعتبره المشاهدون فراغاً. برأيي، هذا الفراغ ليس طويلاً. إذا أحبّوا الشخصية، فإنهم ينتظرونها. ويحبّون عودتها». وردّاً على سؤال كيفية اختياره شخصيات «الحوض الخامس»، قال الهبر إنه اختار الأفراد انطلاقاً من معرفته الشخصية بهم، ومعرفة أن هذا الشخص سيروي هذه الحكاية، وأن شخصاً آخر سيروي حكاية أخرى يريدها هو: «كنتُ أبحث عن شخصية وليس عن شخص. عن شخصية تروي القصص من منطلق شخصي بحت، لا أن تروي على طريقة «ابن البلد» و«لبنان أحلى بلد»... إلخ. همّي كامنٌ في أن يروي هذا الشخص كيفية نزوله إلى المرفأ في الستينيات مثلاً، وماذا فعل عند وصوله. التفاصيل التي تجمعها لاحقاً، تعطيك صورة عن المدينة. كنتُ أبحث عن الرابط بين المدينة والمرفأ. بالنسبة إليّ، هذا فيلم عن بيروت أكثر مما هو عن المرفأ. لهذا بحثت عن أشخاص يستطيعون ربط المدينة بالمرفأ، لأن لديهم خبريات أريدها. هناك كثيرون قالوا لي إن لديهم قصصا يرغبون في سردها. لكنّي أردت أناساً يروون القصص بطريقة حكواتية جميلة. من المهم جداً إظهار الرابط بين المدينة والمرفأ من خلال خبريات هؤلاء الناس، ومن خلال الصُوَر أيضاً».

جريدة السفير: نديم جرجوره