Abbout Productions
Search
Join Us On

LATEST NEWS

"الحوض الخامس" في "متروبولويس" سيمون الهبر: اللغة هي الأهم! (10/05/2012)

"الحوض الخامس" لسيمون الهبر: هنا الطريق معبرٌ بين زمنين. مقابل صور تنتمي الى المرفأ البيروتي وحوضه الخامس الشهير، يضع النصّ شهادات تترجح بين الألم والظرافة في أفواه عدد من سائقي الشاحنات، الذين عاصروا الحرب، ما قبلها وما بعدها.

هؤلاء باتوا شهود عيان على مرحلة انحلال ودمار، بدءاً من التسعينات التي أتت بمشروعها التأهيلي، الذي عمّق الهوة بينهم وبين تاريخهم ومعاناتهم، وبينهم وبين المجتمع. انهم أصحاب روايات لا أحد يستطيع التدقيق في صدقيتها. بيد ان قسوة المخرج لا تمنع نظرته الرحومة، يرميها على شخصيات تشكل مدخلاً لفهم الواقع اللبناني. مَن سبق أن أعجب بـ"سمعان بالضيعة" (2009) كان في انتظار هذا العمل الذي يمضي بنا بين الشخصي والعام، ليستقر في حضن الوالد، والد المخرج. الحكايات الصغيرة والكبيرة تصبح عاطفية أكثر منها توثيقية في حضرة الأب. هناك عند المخرج، قدرة على الاقناع بأقل الامكانات الممكنة؛ قدرة على ضرورة توثيق كل حكاية من الحكايات. دائماً الصغير يجد مكانه الصحّ الى جانب الكبير.


الوثائقي
"يسألونني دائماً: متى ستنجز فيلماً؟ بالنسبة الى الناس، الأفلام تكون روائية. الفرق بين الروائي والوثائقي ان في الأول ممثلين يضطلعون بأدوار كُتبت لهم، أما في الثاني فالممثلون يضطلعون بأدوارهم. ليس هناك نقاط اختلاف. اللغة هي الأهم. كثيرة هي الأفلام الروائية التي تشعر انها للتلفزيون. الشيء نفسه بالنسبة الى الأفلام الوثائقية ذات المنحى الريبورتاجي. هناك فكرة تتناقلها الأجيال عندنا مفادها ان على الوثائقي أن يوثق لشيء معيّن. بالنسبة الى "الحوض الخامس"، كثر سألوني لماذا لم أخبر المزيد عن هذا المكان ولماذا لم أكشف ما كان يجري فيه. بالنسبة لهم، على الوثائقي أن يخبر. في رأيي، هذا ليس دور الوثائقي. السينما تتيح لك المجال لتتأمل وتتزود تساؤلات لا يمنحك الفيلم بالضرورة أجوبة عنها".
الأب
"لم يكن ضرورياً وجود قريب لي كي استطيع أن أحكي قصة. خلال عملي على الفيلم، كنتُ أحاول قدر المستطاع أن أبقي والدي خارج الفيلم. بعد نزولي الى المرفأ والاستماع الى شهادات الشخصيات وخبرياتها، أردتُ الاّ تتكرر تجربة "سمعان بالضيعة": عمي سابقاً، ووالدي حاضراً. كنتُ اريد تفادي هذا الشيء. ثم فجأةً، شعرتُ أني كمن يختبئ وراء اصبعه. فقررتُ أن أواجه اللعبة التي وضعت فيها نفسي منذ البداية وأن أدرج أبي في السياق. في الأخير، بدا الفيلمان مختلفين أحدهما عن الآخر. في نظري، على المخرج أن ينطلق من البيئة التي يعرفها. عليه أن يبدأ من القريب ثم يذهب لاحقاً الى ما هو أبعد".

الشهادات
"عندما أقرر أنني سأصوّر أحدهم، أقابله مرات عدة قبل أن أجري معه المقابلة. نتكلم عن الكثير من الأشياء وأحياناً أستوحي من تصريحاته. ثم، عندما أبدأ التصوير، أصوّر على فترة طويلة. لمقابلة مدتها 4 دقائق على الشاشة، أصوّر أحياناً نصف ساعة. اتركه يقول ما يريد. فليعبّر عن نفسه كما يريد: شعارات من مثل "أين الدولة؟"، كل هذه الكلاسيكيات، الخ. ثم أغوص معه في العمق عبر أسئلة خاصة وشخصية. الجيد في الوثائقي ان عليك خلق علاقة بينك وبين مَن تصوّره، والتيقّن من اللحظة التي "يفلت" فيها نفسه. من الصعب أن ينسى الشخص الذي أمامك وجود الكاميرا، لكن هناك لحظات يخفّ فيها احساسه بالكاميرا فيبدأ الراوي بمخاطبتي أنا المخرج، بدلاً من مخاطبة آلة التصوير. هنا، أقتحمه. لذلك، اراهم كثيراً قبل تصويرهم. هناك أشخاص في "الحوض الخامس"، زرتهم في بيوتهم وجلستُ أدردش معهم، الى أن تبلورت علاقة بيننا. هناك مَن رفض أن أصوّره مثلاً. واحد من هؤلاء اتصل بي قبل ثلاثة اسابيع من التصوير وعبّر عن رغبته في أن أصوّره، لكن بشروط معينة، ثم حطّم هذه الشروط من تلقاء نفسه (ضحك). عندما أجري مقابلة مع أحدهم، أحاول حصرها في اطارها الشخصي. سواء أكان صادقاً أم لم يكن، لا آخذ هذا الشيء في الاعتبار لأن الكذب لن يكون في مصلحة الراوي. الا اذا كان يوجه سهامه نحو شخص آخر، ساعتئذ أتدخل. هنا الجمهور سيرى وسيحكم بنفسه. لذا، عموماً، اترك مقابلاتي في شكلها الخام، بلا قطع، بهدف التقاط النظرات ولحظات الصمت التي قد تقول الكثير عن باطن الشخصية. اعتبر انه لا يحق لي أن امنتج داخل الحوارات".

التصوير
"ليس من السهل التصوير في لبنان، خصوصاً عندما يكون التصوير في مرفأ، حيث الكثير من علامات الاستفهام. يمكن أن أواجه المشكلة عينها اذا اردتُ التصوير في وسط بيروت، فهي منطقة محمية لها مشكلاتها الخاصة. في المرفأ، تعذبنا كثيراً خلال التصوير، على رغم ان في حوزتنا ملفاً كبيراً جداً يتضمن كل اجازات التصوير المطلوبة. كلما أردنا الدخول الى المرفأ كان علينا اجراء اتصالات تستغرق نصف ساعة أو أكثر. خلال وجودنا في المرفأ، كانت تزورنا باستمرار جهات مختلفة للتأكد من الاجازات. كأن هناك دائماً خوفاً من أن يجري فضح أحدهم. لنأخذ مشاهد الأبقار. صوّرتها مرة، خلال مرحلة البحث، لكني لم اكن راضياً عن النتيجة. حين اردتُ تصوير الأبقار مرة ثانية لم يُسمح لي بذلك. جلسنا يوماً كاملاً مع فريق العمل أمام باخرة الأبقار وأجرينا العديد من الاتصالات، وبرغم ذلك لم نستطع التصوير. لماذا؟ ربما لأن التجار لا يتّبعون المعايير الدولية لشحن المواشي".

المونتاج
"عندما أعمل على مونتاج فيلم لمخرج آخر (حالياً أعمل على فيلم جود سعيد "صديقي الأخير") أصير جزءاً منه وأتبنّاه. تنشأ علاقة بيني وبين المخرج قوامها الكثير من الكلام. الفرق بين أن أعمل في فيلم لي وأعمل في فيلم لشخص آخر، ان علاقة قوية تربطني بالأشخاص في افلامي، لا سيما اذا كانوا مقربين مني. هناك دائماً خيط ألحقه خلال المونتاج. اشتغل على التفاصيل والايقاع والاحساس، الخ. وبما ان طبيعة "الحوض الخامس" أكثر تشعباً من "سمعان بالضيعة"، كانت هناك اعادة كتابة حقيقية على طاولة المونتاج. لكن الخط المرسوم سابقاً بقي هو هو، مع بعض التغييرات. في النهاية، المونتاج هو اخراج جديد للفيلم وكتابة جديدة له، وخصوصاً في الوثائقي. في فيلمي هذا، كان هناك جوجلة حقيقية للكتابة الفيلمية".

الرقابة
"الرقابة موجودة حتى في غياب الرقابة الرسمية. لم أمنتج "الحوض الخامس" وحدي. شاركتني فيه كارين ضومط. كان هناك نقاش مستمر بيننا، ولم أتعامل معها على انها يجب أن تنفذ ما اريده. هذا ايضاً نوع آخر من الرقابة. لم اذعن للرقابة الذاتية: عندما تطاول مقص الرقيب على "سمعان"، خضنا شبه معركة مع الرقابة. سعينا الى إلغاء هذا الشيء، لذا اذا دخلنا في الرقابة الذاتية، فهذا يعني اننا أمام مشكلة فعلية على صعيد مجتمع بأكمله. لكن بمعزل عن هذا، ليست كل الرقابة خارجية، هناك أشياء تفرضها على نفسك، انطلاقاً من أسئلة تطرحها: هل من الاخلاقي أن اظهر هذا الشيء أم لا؟ تستنفر الرقابة الذاتية في حالات معينة: مثلاً، عندما يكون كلام الشخص مسيئاً في حق شخص آخر".

الحرب
"من حقّ الناس الا يرغبوا في أن يسمعوا عن الحرب ويشاهدوا افلاماً عنها. مثلما من حقي أن أحكي عن هذه الحرب واصنع افلاماً عنها. لكلٍّ الحقّ في ان يحكي، ولكلٍّ الحق في ان يمتنع عن الكلام. ولكن في لبنان، عندما تقرر انجاز عمل فني أو أدبي، انطلاقاً من المجتمع، لا بدّ ان تصطدم بالحرب الأهلية في مكان ما. هذه الحرب لا تزال مقيمة في ذاكرتنا، ولا مهرب منها. لا اعتقد أن افلامي عن الحرب، بل هي افلام عن الحاضر وتأثير ذاكرتنا في هذا الحاضر. الحرب الأهلية جزء من هذه الذاكرة، ولا يمكن التغاضي عنها. في "سمعان" الحرب كانت العلاقة المباشرة مع الموضوع، لأن القرية كانت مهدمة. ولكن في "الحوض الخامس" نرى ايضاً بيروت ما قبل الستينات وصولاً الى بيروت التي أعيد إعمارها".

 جريدة النهار// هوفيك حبشيان