Abbout Productions
Search
Join Us On

LATEST NEWS

«طالع نازل» لمحمود حجيج.. متحرر من الكليشيهات (12/12/2013)

تستمرّ العروض المتنوّعة للأفلام المشاركة في الدورة العاشرة (6 ـ 14 كانون الأول 2013) لـ"مهرجان دبي السينمائي الدولي". التنافس على جوائز المسابقات الرسمية العربية مستمرّ هو أيضاً في إضفاء حماسة لا تقف حائلاً دون مشاهدة هادئة لأفلام روائية ووثائقية عربية، بعضها يستحقّ التأمّل والنقاش. فهل باتت الأفلام العربية أقدر على تطوير لغتها السينمائية، أم أن الغلبة لا تزال للتسطيح واللامبالاة في "صناعة" سينما تحتاج إلى عقل ووعي معرفي ومخيّلة خصبة، كحاجتها إلى المال؟

هناك ما يدعو إلى تفاؤل ما بإمكان استعادة السينما العربية من عفن ألمّ بها، فأصابها في مَقتل. لكن، في المقابل، هناك ما يبثّ تشاؤماً ضاغطاً إزاء مخرجين عرب "يضخّون" أفلاماً محتاجة إلى تأهيل جذري. القلّة لا تؤدّي إلى صناعة، لكنها تتيح مجالاً متواضعاً لاختبار أمل بغد أبهى. الكثرة تؤدّي إلى تخريب جمال وتفتيته، وهو جمال نابعٌ من قلّة حريصة على إنتاج أفضل. القلّة متمكّنة من إيجاد توازن في معادلة صعبة، بين ندرة أموال يُمكن تخصيصها بإنتاجات أكثر حيوية وجمالية وسجالاً، ونتاج لا يتردّد عن التجريب والاختبار والمغامرة. الكثرة لا تأبه بشيء مفيد، أو أنها تظنّ نفسها آبهة بشيء مفيد، فتُنظّر وتدافع وتنفعل، بينما نتاجها مُسيء إلى كل فعل جمالي. بعض الكثرة واقعٌ في مُصيبة: يختار مواضيع حسّاسة ودقيقة ومهمّة، لكنه يُغلّفها بمعالجة مُسطّحة، واشتغالات سينمائية ركيكة أو باهتة.

في "مهرجان دبي"، هناك أفلام منتمية إلى القلة والكثرة معاً. بالنسبة إلى القلّة، هناك "عمر" للفلسطيني هاني أبو أسعد، و"فتاة المصنع" للمصري محمد خان، و"هُم الكلاب" للمغربي هشام لعسري، و"طالع نازل" للّبناني محمود حجيج (أفلام روائية طويلة). هناك أيضاً "اللي بحبّ ربّنا يرفع إيده لفوق"، الوثائقي الجديد للمصرية سلمى الطرزي. بالنسبة إلى الكثرة، هناك أولاً وأساساً "مي في الصيف" للأميركية ذات الأصل الفلسطيني شيرين دعيبس. هذه أمثلة قليلة. نماذج مستلّة من مشاهدة لم تنته بعد. أفلام أخرى ستُعرض في الأيام القليلة المقبلة، إلى أن تُعلَن النتائج النهائية، وتُسلّم الجوائز للفائزين بها، في حفلة تُقام مساء السبت المقبل. لكن، لا بُدّ من تأكيد ما هو مؤكّد: النتائج/ الجوائز لا تعني أبداً أن الفائز أفضل من غير الفائز، وأن غير الفائز ليس غير مهمّ، جمالياً وسينمائياً.

"طالع نازل" لحجيج دعوة إلى نقاش نقدي يتناول السينما وصناعتها، وبيروت وصورتها، واللبنانيين وأسئلتهم وهواجسهم وتمزّقاتهم. دعوة إلى مُتعة تبدأ بالصورة السينمائية النقية، وتنتهي بمتانة الحوارات اللبنانية الحقيقية، وتمرّ في أداء تمثيلي لافت للانتباه لعدد من الممثلين المشاركين في فيلم لبناني يكاد يكون الأول على مستوى إلغاء البطولة الفردية لمصلحة تمثيل جماعي. صدمة مُشاهدة الفيلم إيجابية. المتعة كامنةٌ في متابعة الحكايات، وكيفية سردها، ومضامينها. كامنةٌ أيضاً في إيجاد شخصيات متحرّرة من ثبات صُورها في كليشيهات متداولة، وفي منحها مساحة أوسع للبوح. التجريب البصري الذي اختبره محمود حجيج في أفلام وأعمال فنية سابقة له استكمل خطواته في "طالع نازل": على مستوى الصورة، وإن أثارت جدلاً حول وقوع شيء منها في الفخّ التلفزيوني، وعلى مستويات القول والعلاقات والبناء الدرامي للحكايات والشخصيات معاً، وعلى مستوى التوليف، المُساهم الأبرز في إقامة تداخل بصري متين للحكايات والشخصيات. بعض الدوائر أُغلقت في النهاية، وهذا لم يكن صالحاً للمسار المفتوح على الاحتمالات كلّها.

طبيب نفسي (كميل سلامة) يستقبل زوّاره من المُرتبكين نفسياً، في اليوم الأخير من السنة. مكتب واحد. مبنى واحد. مدينة واحدة. شخصيات كثيرة. غليان وفوضى وتمزّق. انسداد أفق. علاقات متوترة. قلق لا حدود له. هذا جزء من مدينة لا يختصرها كلّها، بل يقول شيئاً منها. هذا جزء من حكايات أكثر وأقسى لا يتختزلها كلّها، بل يروي فصولاً قليلة منها.

نديم جرجورة // جريدة السفير