Abbout Productions
Search
Join Us On

LATEST NEWS

بين المصعد وكنبة الاعترافات: الحياة «طـالع نازل» (20/01/2014)

وسط فورة الإنتاجات اللبنانية خلال السنتين الأخيرتين، يأتي الفنان والسينمائي الشاب ليقدّم باكورته الروائية التي تبتعد عن الادعاء أو إعطاء درس في التعايش المشترك. بشخصياته وحواراته، وأداء ممثليه المتميز وطريقة إخراجه التي تتماهى مع الحبكة الروائية، نحن أمام سينما مؤلِّف تعيد إلى السيناريو قيمته

ضمن المساحة الضيقة بين المصعد وعيادة الدكتور النفسي، وما بين الحوار والصمت، تنكشف لنا الشخصيات التي يقدّمها إلينا محمود حجيج في فيلمه «طالع نازل»، الذي يُطرح هذا الأسبوع في الصالات اللبنانية. تنتقل هذه الشخصيات من حالة نفسية إلى أخرى ضمن مشهدية سينمائية تكرّس التناقض بين جماد الديكور والكادرات واضطراب الشخصيات التي تسبح داخله وترتطم بحدوده كما الأسماك. خصوصية الفيلم تعود على نحو أساسي إلى ابتعاده عن الادعاء والاستعراض.

محمود حجيج (1975) لا يدعي هنا تمثيل الوطن ككل أو الواقع اللبناني بكل قضاياه وأطيافه الاجتماعية على غرار غيره من الأفلام، ولا يقع في فخ الرمزية البلهاء أو الخطاب الفكري المحض. هذا الفيلم ليس درساً تعليمياً آخر لا عن التعايش المشترك، ولا عن السينما نفسها. هذا الشريط لا يمثل سوى نفسه والقصة التي يرويها، الكفيلة بنقل الواقع اليومي والحياتي لهذه الشخصيات، التي يتناولها حجيج ويُشغل في رسم تفاصيلها بدقة. كأنّ أغلب شخصيات العمل تعيش حياتين: صورتها عن حياتها، وحياتها الفعلية. تتصارعان باستمرار ولا تنتصر أي واحدة على الأخرى، ولا يظهر واضحاً أي منهما هي المتخيلة وأيهما الحقيقية. يوظف حجيج الديكور الموحد والمشهدية المتكررة للشخصيات التي نراها في المصعد أو في عيادة الطبيب النفسي، أو في المشاهد القليلة المصورة في الخارج لتجسيد هذا التناقض. مع كل نقلة، نرى جانباً آخر من كل شخصية، سواء حين تكون وحدها في المصعد، أو حين تكون محاطة بآخرين أو أثناء جلسات العلاج النفسي. امرأة متزوجة تقيم علاقة مع آخر وتحبّ زوجها وعشيقها في آن واحد (ندى أبو فرحات)، والدة منهمكة في علاقتها المضطربة مع ابنها هرباً من مواجهة أزمتها الحقيقية مع زوجها (عايدة صبرا). الصراع بين الصوت والصمت متمثلاً في الثنائي، الذي يؤدي دوره يارا أبو حيدر، ومنذر بعلبكي أو الفتاة التي تحمل صمت أمها داخلها (ديامان بو عبود). شخصية بائع الدمى البلاستيكية (المانيكان) الاستثنائية الذي يؤدي دوره حسان مراد. المريض الوهمي المدمن الحبوب الذي يملك حبّةً لكل شعور (زياد عنتر)، أو المريض السوري الذي يأتي إلى عيادة الطبيب النفسي في لبنان بحثاً عن مساحة آمنة للتعبير (حسام شحادات). في باكورته الروائية الطويلة (كتابته وإخراجه، إنتاج جورج شقير/ أبوط بروداكشن، ودعم «آفاق»)، يبتعد حجيج عن التقليدية في بناء شخصياته ومعالجة أزماتها. يدخل المشاهد معه في رحلة بحث عن مكمن المرض الحقيقي، حيث يبدو الجنون ردّ فعل طبيعياً على الازدواجية التي يفرضها واقع هذه الشريحة المصغرة من المجتمع اللبناني، إذ إنه على كل شخصية أن تخرج من جلدها وتتقمص أخرى كلما عبرت من ديكور إلى آخر.
تأتي شخصية ناطور البناية التي يؤديها فادي أبي سمرا مختلفةً عن بناء باقي الشخصيات، فهي تعايش الواقع ولا تشكك فيه، وتجسد التناقض أيضاً بين هموم شرائح مختلفة من المجتمع وانشغالاتها.
تجري أحداث الفيلم قبل سهرة رأس السنة، حيث يتأزم قلق هذه الشخصيات في انتظار بداية أو ربما نهاية ما، تضع حدّاً لحلقة دورانها العبثي. الحوارات الذكية التي تتسم بالعفوية والطرافة هي نقطة قوة الفيلم. وبرغم صعوبة المونولوجات التي تؤديها بعض الشخصيات أثناء جلسات العلاج النفسي، إلا أنها حيوية تبتعد عن الإنشائية والأفكار المكرسة، وأحياناً تقترب من المسرح كما في أداء حسان مراد. تفرض كل شخصية إيقاعها الدرامي الخاص، الأمر الذي يوظفه المخرج ليصوّر تحركات هذه الشخصيات المضطربة وتفاعلها مع الديكور المحيط بها. تتحول عيادة الطبيب أو المصعد إلى نوع من مسرح أو سجن مصغَّر تخرج منه وتعود إليه الشخصيات في كل مرة.
لغة الشريط السينمائية مشغولة بعناية في بعض المشاهد، كما في عيادة الدكتور النفسي الذي يجسد دوره كميل سلامة في أداء مميز، إلى جانب منال خضر، التي تؤدي دور زوجته، حيث نسمع صوته ولا نراه فعلياً إلا صوب النهاية، مما يجعل حضوره أشبه بطيف كأنّه المخرج نفسه. يغادر موقعه في النهاية ليجلس قبالة الكاميرا ويطالب بحقه في الكلام أيضاً، لكن لا أحد يستمع إليه غير المشاهد.
في المقابل، يصور لنا حجيج تفاصيل التحركات الصغيرة لشخصياته الجالسة على الكنبة داخل العيادة في جمالية خاصة حميمية يتماهى فيها الجسد مع الديكور أحياناً، مشكلاً ما هو أشبه بلوحة بصرية. بخلاف هذه المشاهد، قد لا يتمتع باقي الفيلم بجمالية بصرية بحد ذاتها، ويعود ذلك أيضاً إلى المشاهد والديكورات التي تتكرر في المصعد بحكم الحبكة الروائية، إلا أنّ اللغة السينمائية تتجانس مع قصة الفيلم، وتعكس عبثية الروتين والحياة اليومية في المدينة والديكور الثابت الذي يحاكي سجن الشخصيات الداخلي. هذا ما يستحق المخرج عليه التقدير، فيما تطالعنا أفلام أخرى بتقنيات استعراضية في التصوير وبمشهدية قد يكون لها جماليتها الشكلية، لكن لا يمكن وصفها باللغة السينمائية، لأنّها لا تمت إلى السيناريو بصلة. بشخصياته وحواراته، وأداء ممثليه المتميز، الذين يتشاركون بطولة هذا الفيلم، وأيضاً بطريقة الإخراج التي تتماهى مع الحبكة الروائية، يقدم محمود حجيج فيلم مؤلِّف يعيد إلى السيناريو قيمته، في وقت تعاني فيه السينما اللبنانية غياب النص الروائي أو هشاشته.

 الأخبار // بانة بيضون