Abbout Productions
Search
Join Us On

LATEST NEWS

فيلم لمحمود حجيج ينجح في تظهير أزماتنا من الداخل (22/01/2014)

في 23 من الشهر الجاري انطلق في الصالات اللبنانية فيلم لبناني من نوع لم نألفه سابقاً في سياق الانتاج المحلي اللبناني، الذي يميل إلى التجاري والترفيهي. ‘طالع نازل' هو عنوان الفيلم الذي كتبه وأخرجه محمود حجيج ليكون باكورة اعماله، مصنفاً في جانب سينما المؤلف والانحياز إلى السيناريو أكثر من حركة الكاميرا والمشاهد التي يمكن أن تقدمها.
في ‘طالع نازل' يضع محمود حجيج المشاهد على مدى حوالي ساعة ونصف من الزمن، تختصر 12 ساعة من آخر يوم في السنة، بمواجهة أزماتهم الداخلية. إنها معضلة البوح. التواصل. الحوار. التناقض. الكبت. تفريغ ما يدور في الخاطر من حوارات ذاتية مقلقة، لطبيب نفسي. هذا إذا كان البوح في متناول البشر.
هم سبعة اشخاص في يوم 31 كانون أول/ ديسمبر وفي بيروت تحديداً، يزورون طبيبهم النفسي، في محاولة تقييم لأحداث السنة الفائتة. داخل المصعد، كما في عيادة الطبيب النفساني يواجهون مشاكلهم، محاولين تحديد أولوياتهم. من المرضى إلى سكان المبنى، قصص مختلفة طريفة في بعض الأحيان، يرويها أفراد وشخصيات الفيلم، فتتشابك وتتحابك لكي تظهر وتنجلي كل منها أخيراً. جميعهم يكافحون ليعثروا على الاستقرار في بلد غير مستقر.
في مشهد معبر ينطلق فيلم ‘طالع نازل' على مشهد يطل على مدينة بيروت من فوق ومن خلال عامل معلق بين السماء والأرض يقوم بتنظيف زجاج بناء شاهق. والانتقال لاحقاً يكون إلى داخل مبنى، ففي المصعد، حيث تبدأ المواجهة الاولى مع الذات، إلى غرفة الطبيب النفسي، مكانان تمضي فيهما الكاميرا معظم زمن الفيلم.
فالكاميرا كانت مثبتة على مرآة المصعد، وقريباً من كتف الطبيب النفسي. ولأن المصعد من الاماكن المؤثرة في مسار الفيلم نقل إلينا المخرج في أكثر من مشهد آليته الميكانيكية من الداخل، ولم يكتف بوظيفته بتسهيل الانتقال إلى الطوابق العليا. ويصف المخرج حركة الكاميرا في فيلمه ‘حين تبقى الكاميرا في مكانها تزهر وتزدهر'.
ولج محمود حجيج في فيلمه الجديد إلى اعماق البشر باحثاً عن سر ازماتهم النفسية. هي ازمات متنوعة، إنما نجدها جميعها ذات منطلق أو مسبب واحد وحيد. ويتمثل هذا السبب في انكماش البشر إلى دواخلهم، وكبت مكنوناتهم ضمنها. قد يطول هذا الحال أو يقصر. وربما يمتد لمدى العمر. وربما فتح ثغرة في جدار سميك بين البوح والكبت عبر الطبيب النفسي وليس سواه. وإن صح التعبير بالقول ‘مرضى نفسيون' فهؤلاء يعانون من حوار مقطوع مع محيطهم. حوار مقطوع مع الزوج، مع الأب، مع الأهل. وآخر لا يجد من يحاوره سوى ‘المانيكان' التي يعمل على اصلاحها.
بين الشخصيات السبع التي تزور الطبيب النفسي من هو مرح لعوب كما الممثلة ندى أبو فرحات (يارا)، التي تثرثر وتثرثر للطبيب، لتكتشف أن الحياة التي تعيشها مع زوج لا يسمعها، ومع عشيق لا يخرجها من حالة الفراغ، أنها تحتاج لـ'حب، شغف، تواصل، تفاهم، مصاري، جنس، ناقص حدا يسمعلي'.
هو حال يلتقي عليه الجميع تقريباً، وليس مقتصراً على يارا وحدها. الممثلة عايدا صبرا المشغولة بما ‘سيقوله عنا الناس′، طفلها يعقد حياتها. تعتقد الازمة كامنة فيه. ترافقه إلى الطبيب النفسي، لتكتشف عبره أن الازمة في داخلها وفي علاقتها بزوجها. الثنائي المقتصد في الكلام يارا أو حيدر ومنذر بعلبكي، حيث تقارع الزوجة صمت زوجها القاتل.
الممثلة ديامان بوعبود ورغم زيارتها للطبيب تبقى مسكونة بصمت وهدوء رهيبين. وأكثر ما تتجلى الازمة في الممثل حسان مراد بائع الدمى المرعوب. الممثل زياد عنتر يجتهد مع الطبيب النفسي باحثاً عن مرض خاص به، ولا يكف عن عرض خدماته من خلال صيدليته المتنقلة في جيبه، حيث لكل علة دواء.
وقد تجلى الممثل حسام شحادات في تجسيد دور المريض السوري الباحث في بيروت عن مساحة للتعبير. فهو كان الشخصية المتأزمة في الشكل والمضمون. هو في بيروت ‘لأن هونيك ما في ثقة.. ولا شخص بتوثق في.. بسوريا كل شي بيتخبر'. يترك الطبيب النفسي عمار يبوح كلاماً، ويتركه يعبر جسدياً من خلال حركته المتوترة. ‘هونيك التعبير عن المشاعر ممنوع.. الواحد بدو يبوح.. من جوا لبرا بدو يبوح..البوح سحر'. وهكذا يكتشف عمار أزمته والحل معاً. وهي ليست أزمة عمار القادم من سوريا وحده، بل قضية مجتمع مأزوم برمته منذ الولادة متمثلاً في شخصيات الفيلم جميعها، حتى وإن كان عمار هو الأكثر بوحاً. فهو يتذكر ‘الكف' الصفعة اليومية التي كان يعدها له والده، ليناجي ذاته متمنياً ‘يا ريتو مرّق بوسي'؟
من أمام المبنى الذي تدور فيه أحداث الفيلم يمر جمل مرتين بتمهل، ربما في دلالة على التصاق مجتمعاتنا بماضيها الذي ابتعد كثيراً بالنسبة للبعض، أو هو لا يزال قريباً بالنسبة للبعض الآخر. مجتمعات متناقضة، متخاصمة مع ذاتها، تعيش في مظهر حداثة، لكنها من الداخل منهوشة بالتقليد. وهذا ما برز في نهاية اليوم الطويل للطبيب النفسي. فمع زوجته كانت المواجهة الختامية في نهاية السنة. ‘طبيب يداوي الناس وهو عليل'.
ازمة البوح والتواصل مقيمة في عقر داره. آخر مرضاه في ذلك اليوم الذي كان بمثابة جردة حساب لأيام السنة جميعها كان مع زوجته. الممثلة منال خضر زوجة الطبيب فجرت الأمور بوجهه. تركته وغادرت إلى حفل رأس السنة حتى وإن ردد على مسمعها ‘شو بدن يقولوا عني الناس′. حتى الطبيب النفسي يعيش اسيراً لموقف الناس منه، وليس مرضاه فقط.كما للطبيب حق الكلام فمن يسمعه؟
في ‘طالع نازل' كان المرضى بمواجهة الكاميرا، فقط كنا نسمع صوت الطبيب ونشاهد رأسه وبعض كتفه. بمهنية عالية جداً أدى الكاتب والممثل القدير كميل سلامة دور الطبيب. وكان فادي أبي سمرا رائعاً في دور ناطور المبنى. وهو تمكن بسلاسة تامة من نسج علاقات ثقة مع سكان المبنى وكذلك مع المرضى الذين يرتادون عيادة الطبيب.
رغم دوران الكاميرا في مكانين محددين وهما المصعد وعيادة الطبيب النفسي، تمكن المخرج من خلال الحوارات التي نسجها من جذب المتلقي، والحفاظ على نسق متصاعد في التقاط هذا الانتباه بلغة سينمائية عالية ومميزة. ففيلم محمود حجيج الجديد يميل إلى الكلمة والموقف والتعبير والاحساس. ولدى خروج الكاميرا من حيزها الضيق تمكنت من نقل صورة صادقة ومقنعة في آن.
في اختياره لشخصيات فيلمه وقع محمود حجيج على المبرزين في السينما كما كميل سلامة، فادي أبي سمرا، عايدا صبرا، ندى أبو فرحات، ديامان بو عبود ولا ننسى حسام شحادات. و'طالع نازل' لم يعقد البطولة لممثل أو ممثلة، كل منهم كان بطلاً في مكانه.
‘طالع نازل' فيلم ناجح مكتمل العناصر، ربما يكون فيلم مهرجانات، أكثر من كونه فيلماً للمشاهد اللبناني الباحث بشكل عام عن فيلم ‘ترفيهي' خفيف. إنما دون شك سيكون لهذا الفيلم مشاهدوه إن أحسنت الدعاية له. فهو يستحق المشاهدة. وعلى كل منا أن يرى ذاته من خلاله.
‘طالع نازل' انتاج جورج شقير وأبوط بروداكشن، ودعم آفاق.

القدس العربي // زهرة مرعي