Abbout Productions
Search
Join Us On

LATEST NEWS

سينما - غسّان سلهب من أبو ظبي: لم أعد أخاف من الخوف (10/11/2014)

"الوادي" لغسان سلهب، الذي شهد عرضه الأول في مهرجان تورونتو في أيلول الماضي، واحد من أجمل الأفلام التي انتجت في لبنان خلال السنوات الماضية. بعد نجاته من حادث سيارة على طريق نائية وسط وادي البقاع اللبناني المعزول، يقع رجل أصيب بفقدان الذاكرة (كارلوس شاهين) في يد مجموعة من الأشخاص الذين يعملون في مزرعة محلية تُستخدَم كمرفق لإنتاج المخدرات. في الآتي، لقاء مع سلهب في مناسبة عرض فيلمه ضمن تشكيلة مهرجان أبو ظبي الثامن (23 تشرين الأول - 1 تشرين الثاني). فيلم يتضمن الكثير من الفجوات التي على المُشاهد سدّها بمخيلته.

¶ بعد أفلام عدة في بيروت، وعنها، تذهب الى مكان هو نقيض بيروت. اتجهت كاميراتك الى الأراضي القاحلة والمناطق البعيدة. علماً ان فيلمك السابق، "الجبل"، لم تقع حوادثه في بيئة محددة كما هي الحال هنا، وكان من الممكن أن تدور في أي مكان. هنا البيئة حاضرة بقوة، ومشاهد الطبيعة تلقي بظلالها على مجريات القصة...
- السينما لقاء بين الزمان والمكان. لم أرد ان يكون المكان الذي أصوّره ديكوراً أو مجرد مصادفة أو شيئاً يصلح للإفادة منه. المكان لي شيء له معنى. "الجبل" مثّل نقطة انطلاق: بطل الفيلم يغادر شقته في بيروت ويذهب الى العزلة البعيدة. يذهب الى اللامكان. في "الوادي"، نذهب الى "المكان" (مشدداً على الكلمة). فالرجل المصاب بفقدان الذاكرة في عزلة، لكنه في قلب المكان. وكما تعلم - خلافاً للأجانب الذين قد يجهلون هذه الحقيقة - البقاع ليس مجرد مكان. علماً أنني لم أنجز فيلماً عن البقاع، بل عن مكان في البقاع. البقاع مكان غريب جداً لأن هناك جبلين يمنحانك الانطباع بأنهما يحميانك، لكنهما في الوقت نفسه يشكلان مصدر تهديد. هذا ما أثار فضولي في الحقيقة. ثمة أرض شاسعة، ثمة أفق، لكنه أفق مسدود. كنت أريد أن يكون المكان وسيعاً، كي تتبلور فيه كلوستروفوبيا غريبة. اذا أردنا أن نقارن بين الفيلمين، صح القول إن "الجبل" كان بئراً. كان من الواضح منذ البداية أن البطل يريد أن يغلق على نفسه. هنا، أردتُ فيلماً مضيئاً. كان في إمكاني أن أصوّر بإضاءة خافتة، لكني لم أرد أن أسبق المشاهد وأحرق توقعاته. رغبتي كانت ألاّ أصوّر في مكان مغلق كي يتسنى لي اغلاقه تدريجاً.

¶ ولكن، كيف نشأت فكرة الفيلم؟
- كنت أحضر "الجبل"، عندما خطر على بالي "الوادي". كنتُ أكتب المشهد الأخير لـ"الجبل"، بعدما عزلتُ نفسي في منطقة عيون السيمان. المشهد الذي نرى فيه الخطوات في الثلج. كنت أنظر الى الثلج، وأنا أعلم أنه لن تكون هناك الا خطوات. قد تقول كان في إمكاني أن أكتب في أي مكان، وأن تسأل لمَ ذهبتُ الى هناك. ربما لأنني لستُ مخرج استوديوات بل أحتاجُ دائماً الى مكان. فالمكان يمارس عليّ تأثيراً كبيراً ولا يقتصر تأثيره في الشخصيات فحسب. عندما أكتب أذهب الى الأماكن. منذ فترة طويلة، كانت في مخيلتي حكاية شخص يفقد الذاكرة جراء حادثة يتعرض لها، فنراه يمشي في طريق يعبرها عدد قليل من السيارات. من هنا، ولدت الحكاية. مصدر هذه الحكاية يأتي من علاقتي بفكرة التهديد التي نحن عرضة لها. التهديد أسوأ من الكارثة. فالكارثة إن حلت تكون قد حلت وهي أحياناً تشكل خلاصاً (أبالغ قليلاً، فلا أحد يبحث عن الحروب والتقاتل الأبديين). ما أقوله هنا إن الكارثة يسهل القبول بها كشيء حصل. التهديد تآكل، تآكل يومي. اذاً، كنت في عيون السيمان، في هذا المكان الهادئ. حتى الارسال لا يصل اليها أحياناً، ما يعني أنك بعيد من كل مصدر ازعاج. الغريب هو أنني شعرتُ بالتهديد في هذا المكان الذي يتسم بالهدوء والسكينة. لم أشعر بتهديد يُمارَس تجاهي. كان مثل بخار يتصاعد. شعرتُ أنه بعيد، لذا كان ثمة احساس بأنه قريب. من هذه العناصر، تشكل الفيلم تدريجاً. ليس هناك دائماً سبب يجعلنا ننجز فيلماً ما. البعض لديه سبب واضح، قد يكون عذاباً شخصياً. لستُ منهم. الأشياء عندي مصدرها حوادث أتعرض لها، رجل يمشي، الخ...

¶ هل استحوذ المكان على اهتمامك أكثر مما استحوذت عليه الشخصيات؟
- كلّ شيء كان يهمّني. لم يبقَ عنصر في الفيلم خارج دائرة الاهتمام. لو وضعت هذه الشخصيات في فيلم آخر كانت لتصبح شخصيات اخرى. للمكان تأثير بالغ في الشخصيات. علماً ان لا أحد منها - أتكلم عن الشخصيات الأساسية - تأتي من هذا المكان (البقاع)، بل جاءت اليه من مكان آخر. جنرال فرنسي كان يقول وهو ينظر الى المناظر الطبيعية التي دمّرتها الحرب: "الطبيعة تسخر من قصصنا. الطبيعة ستبقى طبيعة". غداً، سنرحل لكن الطبيعة ستبقى. صحيح أنه في إمكاننا أن نقضي على الطبيعة، لكن الجبل سيبقى جبلاً. المكان دائماً أقوى منّا.

¶ هذا الفيلم أشد سوداوية من أفلامك السابقة. يكاد يكون سادياً...
- أفلامي ليست "زهرية" عادة. لستُ سادياً، لكن الحوادث التي بتنا نعيشها سادية بامتياز. لا تنسَ أنني أنجز فيلماً في لبنان وليس في مكان مجرد. هذا التهديد الذي لا ينتهي وينطوي على مفارقات عدة، هو السادية عينها. لا شكّ أن هذا فيلمي الأكثر سواداً وتشاؤماً. لهذا السبب كنت أريد صورة مضيئة. لم أكن أريده شبيهاً بالأفلام التي تضعك في العتمة منذ البداية. صديق لي من الثمانينات، كان ينظر الى السماء ثم الى البحر، ويقول: "انظر الى هذا الطقس كم هو رائع، على رغم الدمار والخراب من حولنا". الجملة هذه ظلت معي طويلاً. أن تجري فصول التراجيديا عندنا في ظلّ هذا الطقس البهي، هذا ليس بالأمر القليل.
"الوادي" هو أكثر فيلم اقتربتُ عبره من السينما الروائية. الفيلم فرض عليّ هذا الاقتراب. لم أكن أريد تصوير تجّار المخدرات بالطريقة التي يصوّرونهم فيها عادة، أيّ بالطريقة الكاريكاتورية. تورّطهم في المخدّرات يجب ألاّ يكون مبرراً لتصويرهم على هذا النحو. كل شخص عندما ينتقل الى الشاشة، لا يعود شخصاً، بل صورة لشخصه. العديد من الأفلام لديها همّ في أن تكون أفلاماً واقعية. لستُ من هؤلاء. لكن هذا لا يعني أن أفلامي غير واقعية. هناك أفلام تروي القصص وهناك أفلام تنطلق من حكاية ما. أجد نفسي في سينما الفئة الثانية. كما كان يقول عباس كيارستمي: في أفلامي توجد فجوات، وعلى المشاهد أن يسدّها.

¶ هناك الكثير من المسكوت عنه في الفيلم، الكثير من التلميحات الذكية...
- آمل ذلك. لحسن الحظ، هناك الكثير من الأشياء التي تتفلت من يديك عندما تصنع فيلماً. حالياً، ما يتفلت من إدراكي بات يثير شغفي أكثر من الجوانب التي أعيها، ذلك أنه يقول الكثير عن شخصيتي. هذه من التجارب التي تجعلك أقل خوفاً. خوفي من إنجاز فيلم راح يتضاءل. لم أعد أخاف من الخوف. هذا فيلمي الأكثر طموحاً من حيث الحجم. اذا سيطر عليك الخوف وأمسك بك وأنت تصوّر فيلماً، فغالباً ما يقضي عليك...

¶ ماذا عن كارلوس شاهين؟ هذا الفيلم الثالث تنجزانه معاً. حضوره يضفي القلق على الفيلم. وهو لا يكاد يحتاج الى كلام ليعبّر...
- شاهين يجمع كونتراستات عدة. انه قوي وسريع الانكسار في آن واحد. مع ذلك، هو نقيضي تماماً من حيث التأهيل الفني. فهو يأتي من المسرح ويمتلك أساليب الخ.

¶ لفتني الاشتغال على الشريط الصوتي...
- عندي الصوت يمثل 50 في المئة من الفيلم. قوة المكان هي التي جعلت الفيلم يذهب "بالعرض"، كما يُقال. كنت مصراً على أن تكون شبابيك المطبخ كبيرة. حتى عندما يجلس كارلوس شاهين على الكرسي مقيد اليدين، لا تشعر بالاختناق، لأن الصوت يمنحك دائماً هذا الاحساس بالانفتاح.

hauvick.habechian@annahar.com.lb