Abbout Productions
Search
Join Us On

LATEST NEWS

الوادي لغسان سلهب يرصد انسدادات الراهن اللبناني (02/03/2015)

بدأ المخرج اللبناني غسان سلهب، مشروع ثلاثية سينمائية استهلها بفيلم «الجبل» (2011)، الذي يطالعنا فيه بطله سلهب ( الممثل فادي أبي سمرة) متوجهاً ليعيش عزلة جبلية يواجه فيها الموت أو يختبره بعيداً من شرك المدينة ومن فيها. وفي الفيلم الثاني من الثلاثية «الوادي»(2014)، الذي عرض في الفترة الأخيرة ضمن فعاليات مهرجان «برلين السينمائي»، لا يبدو صاحب «أشباح بيروت» (1998) أقل تشاؤماً بمستقبل الأيام، فكل الإشارات تشي بالخراب، كما يعلن على لسان إحدى الشخصيات الثانوية في الجزء الأخير من فيلمه «انمحت بيروت».
يذهب غسان سلهب في «الوادي» إلى سهل البقاع ليكون مسرحاً لأحداث حكاية الفيلم: بعد أن يتعرض رجل خمسيني (كارلوس شاهين) لحادث سير، يشاهد مجموعة أشخاص في سيارتهم، يتجه نحوهم والدماء على قميصه، يصلح لهم السيارة ثم يقع على الأرض. يقلون الرجل الغريب معهم في السيارة، ثم وهم في طريق عودتهم يكتشفون أنه قد فقد ذاكرته.
عند وصولهم نكتشف أنهم أعضاء عصابة لتصنيع وتوزيع المخدرات. يشكل وجود الرجل الغريب في مركز العصابة محركاً لأحداث الفيلم، فتارة يحاولون مساعدته لاستعادة ذاكرته، فيبدأون بتكهن اسمه وطائفته ومهنته، وتارة يشكون بأمره، فيعذبونه ويهددونه بالقتل إلى أن يسمعوا صوت قصف ومروحيات في الخارج. يخرجون بعدها، وإذ بالقرى المحيطة خالية من السكان، والقصف يكاد يدمر المناطق كلها، حتى نعرف أن الشرق الأوسط كله قد اشتعل.
الرجل الغريب هو مواطن لبناني غادر الوطن قبل عام 2006، وعاد قبل الحادث بأسبوعين ليلتقط صوراً لبيته الذي كان يحتله ضباط سوريون. عاد ليستعيد شيئاً من الذاكرة. ولكن أي ذاكرة! ذاكرة الحرب الأهلية اللبنانية واحتلال الجيش السوري للبنان. لذلك ستكون الرسائل السياسية في الفيلم نتيجة لبؤس الواقع وليس سبباً لانغماسه في التشاؤم. وفي نفس السياق السابق يذكر في الراديو خبر مفاده بأن قوة اسرائيل قد زادت خمس عشرة مرة عما كانت عليه قبل 2006، وعدد اللاجئين السوريين قد تجاوز المليون في لبنان وغير ذلك عن التفجيرات في اليمن وأحكام محمد مرسي وغيرها.
لكن العودة السابقة للرجل الخمسيني ليست عودة بالمعنى المباشر، لأن الحديث عن لحظتين مختلفتين أمر خاطئ، فلا الحرب الأهلية انتهت، ولا نتائج 2006 كذلك، كل ما يحدث اليوم ليس إلا استمراراً لماضٍ لم ينتهِ. لذلك نجد أن سلهب لا يوفر سطحاً عاكساً واحداً في الفيلم من دون أن يستثمره (مرآة، زجاج سيارة، نافذة، شاشة كمبيوتر.. إلخ) حيث كثيراً ما يقدم الحدث من خلاله ثم يبدأ بالتمازج البيني في الصورة مع اللقطة التالية، وكأنه يريد أن يقول بذلك: الوهم يبنى عليه أيضاً، وربما يصير يقيناً إن صار مؤسساً لحدث مقبل، هكذا سعدنا بنهاية الحرب الأهلية اللبنانية، وهكذا انتصر حزب الله، وهكذا صار لبنان بلداً مستقلاً. كما يمكن قراءة اشتغال سلهب السابق على أنه ارتياب المجموعة من الغريب، فكل غريب هو مثار للشك، وهذا ما لا تخفيه نقاشاتهم اليومية.
على هذا النحو تغدو الرؤية العامة أكثر شمولية: العصابة قادرة على أن تتسع لتصبح طائفة، فهي تملك مؤهلات كافية؛ مصالح مشتركة، أفراداً مسلحين، مواجهة مع الجيش إن اقتضى الأمر، والأهم من كل ذلك هو استمرارها بالسلوك نفسه رغم وعيها بالواقع الطائفي وانسداداته.
في «الوادي» يذهب رجل العصابة (فادي أبي سمرة) الى نقيض ما كان عليه في «الجبل» مبتعداً في شكل أكبر عن بيروت، «من زمان مازرت بيروت» تقول إحدى الشخصيات. يظهر شغوفاً بالشعر ويقع بين يديه ديوان للحلاج يتأمله بعد أن يسمع خبر دمار الشرق الأوسط كاملاً. لا يخفي شريط سلهب قدرة كبيرة لصاحبه على خلق لحظات شاعرية رغم حتمية الكارثة المقبلة، فتظهر شخوصه على أنها قادرة على قراءة الشعر والرقص والرسم وهي تضع أقدامها على أعتاب العدم. وهنا لا بد من الإشارة للأداء المتماسك لكارلوس شاهين الذي تمكن بأدائه الهادئ من إضفاء قيمة أكبر على شخصيته المكتوبة بعناية فائقة.
كذلك في تجربتها السينمائية الأولى برعت يمنى مروان في إضفاء حيوية لافتة على دورها، مساهمة في كسر قتامة الإطار العام للفيلم. ومن خلال حركتها المكثفة والمدروسة، داخل الفضاءين العام والخاص، أعطت مروان أبعاداً أكثر لشخصيتها، فظهر رسمها بالفحم، ورقصها، وشكل علاقتها مع الرجل الغريب، متسقاً مع رؤيتها الفكرية الرافضة للمنظومة السياسية والاجتماعية والدينية القائمة في لبنان.
بدا العالم في شريط «الوادي» غارقاً في تعقيداته ومنغلقاً على نفسه حد الفصام، تتناحر أجزاؤه الدقيقة وتطحن بعضها في سبيل لحظة تفوّق ما قد تحمله الصورة من إيجاز. كما تتصارع الرموز والدلالات، المقبلة من الواقع، لتحقيق نبوءة محتمة: الخراب ولا شيء غيره. رغم كل ذلك، لا يُسلم غسان بالمقولة العامة بسهولة، ولا تبدو لغته السينمائية ناجزة مسبقاً أو مسكونة بالنهائيات بقدر ما تتميز بقدرتها على التشكيك، وفي كل لحظة، بأدق التفاصيل. فكل مشهد يبدو وكأنهخارج من معترك أكثر ضراوة وعمقاً من الصراع في السيناريو المكتوب، وأكثر تعقيداً مما قد يخلص إليه الشريط عند نهاية التصوير والمونتاج وعرض الفيلم في صالات بيروت.

 

alhayat.com // أحمد باشا