«طالع نازل».. عيادة تسمح بدخول ذوات الناس
جريدة السفير

في 23 كانون الثاني 2014، تبدأ العروض التجارية المحلية لـ«طالع نازل» لمحمود حجيج. عيادة نفسية ومصعد في مبنى. أناس وحكايات. نبض ذات وروح. يوميات محطّمة، وسير أفراد مشحونين بالألم والقلق والخيبة. إنه اليوم الأخير من العام. إنها اللحظة الأنسب لتصفية حسابات ذاتية. إنه فيلم لبناني يستحق أن يُشاهد ويُناقش بهدوء. هنا لقاء مع حجيج.
ماذا عن فكرة «طالع نازل»؟
^ نواة الفكرة منقسمة إلى جانبين: ليلة رأس السنة، والعيادة النفسية. هناك ضغط نفسي في آخر السنة. بدلاً من أن تكون تلك الليلة احتفالاً، تحوّلت إلى مراجعة للسنة المنصرمة كلّها. أردتُ التعامل مع هذا الموضوع: احتفال يتحوّل إلى شيء آخر. ربما إذا أظهرتُ هذه الناحية من حياة الناس، نستطيع أن نراهم من الداخل أكثر. غرفة العيادة تسمح لنا بالدخول إلى ذوات الناس بطريقة مختلفة. يهمّني ألاّ يبقى موضوع علم النفس من المحرّمات. اعتمدتُ على المصعد والعيادة معاً لأنهما أكثر الأمكنة التي يُصبح المرء فيها صريحاً أكثر مع ذاته. أدخل إلى حياة الناس عبر هذا كلّه.
هناك من قال إن مسألة زيارة المعالِج النفسيّ في اليوم الأخير من السنة غير منطقية أو مقنعة. شخصياً، اعتبرتُ أن اختيار اليوم الأخير هذا نوع من تصفية حسابات داخل عيادة. لكن، هناك كثيرون يذهبون إلى العيادات النفسية في هذا اليوم تحديداً، وربما أكثر من أي وقت آخر.
أجريت بحثاً حول المسائل العلمية كلّها لمدة عام كامل. كل كلمة قالها المعالِج النفسي (كميل سلامة) والقادمون إليه مدروسة علمياً بالكامل. الجزء النفسي كلّه مشغول بحرفية عالية جداً. سمعتُ هذا الكلام، لكنه غير صحيح أبداً. إذا كنتَ تزور طبيبك/ معالِجك النفسي كل يوم ثلاثاء مثلاً، وصدف أن يوم الثلاثاء هو اليوم الأخير في السنة، ألا تذهب إليه؟ 
المُعالِجة النفسية تيما الجميل اشتغلت معي على كل ما جرى وقيل داخل العيادة، وعلى مسألة متى يتدخّل المعالج ومتى لا يتدخل. كيف يتكلم وماذا يقول ومتى. سلامة ليس معالِجاً نفسياً. إذا خرج أحد الممثلين على النصّ المكتوب، كانت تيما ـ الحاضرة دائماً أثناء التصوير ـ تُساعده على كيفية استكمال اللقاء مع هذا المضطرب نفسياً أو ذاك. كانت حاضرة لجعل الممثل يُتقن فعلياً دور المعالِج عندما يواجه موقفاً كهذا. ثم هناك مسألة أخرى: صوّرتُ سلامة من الخلف، فلم يُظهِر أمام الكاميرا كيف يتكلّم. هذا ساعدني: كنتُ أضيف لاحقاً مقاطع أو جُملاً أو كلمات على الحوار، ثم نُسجّلها بصوت سلامة ونُسقطها على سياق الفيلم. اشتغلنا كثيراً على هذه المسائل. لا غبار أبداً على علمية الحوارات الدائرة داخل العيادة. الممثلون جميعهم اشتغلوا مع تيما. ما حدث في الجلسات كلّها، تمّ التحضير له كثيراً وبدقّة علمية.
أردتُ أحياناً أن أذهب بعيداً لضرورات سينمائية بحتة. لكن تيما كانت ترفض هذا لعدم واقعيته العلمية، فتراجعت عن رغباتي، لأني وضعت الفيلم منذ البداية داخل الإطار النفسي. أنا مهووس بنقل الأشياء كما هي. ثم أني لم أحتج إلى الخروج من الواقع الدقيق ولا على البحث العلمي. ليس فقط داخل العيادة، بل في المصعد أيضاً وفي كل مكان آخر. هناك دائماً بحثٌ دقيقٌ أجريته سابقاً: لستُ من الذين يسهرون ليلة رأس السنة، لكني قررت السهر للاطّلاع على ما يجري فعلياً حينها. الأبحاث التي أجريتها التزمتها أثناء التصوير. قبل كتابة السنياريو، التقيتُ أناساً عديدين من أعمار وانتماءات وهواجس مختلفة. لم أؤلّف من عندي. اشتغلت مع هؤلاء كي يكون السيناريو والحوار حقيقيين.

نصٌ يُشبهنا

ماذا عن الممثلين: اختيارك إياهم. علاقتك بهم قبل التصوير وأثناءه. الشخصيات التي يؤدّونها. إلخ.
^ عندما بدأتُ التحضير للفيلم، فكّرت في المجموعة التي مثّلت فيه لاحقاً. بعضهم أعرفه، وبعضهم الآخر لم أكن أعرفه مباشرة، بل شاهدته في أعمال متنوّعة، وشعرتُ أنه ملائمٌ لهذه الشخصية أو تلك. تحدّثت معهم قبل تأمين الإنتاج. غالبيتهم تشتغل معي للمرّة الأولى. تحدثنا معاً مطوّلاً. مهمّ جداً بالنسبة إليّ أن يكون الممثل منفتحاً، وأن يُحبّ المخرجَ والعمل. اخترتُ من اعتقدتُ أنه سيدخل معي في اللعبة. كلّ ممثل اخترته من البداية وافق على العمل معي. هؤلاء محترفون جداً في مهنتهم، وبمستوى عال. الثقة والتوافق عاملان أساسيان في العمل معاً. أنا أحبّ التفاصيل، وهم أيضاً. دقيقٌ جداً في عملي، وهم أيضاً. حريصٌ على دقة التفاصيل العلمية وحدود الشغل، وهم أيضاً. شعرتُ بأنهم متعطّشون لهذا النوع الاحترافي من العمل. لهذا كلّه، لم أواجه مشاكل معهم. أنا محظوظ بالعمل معهم، وهو كان سهلاً وممتعاً للغاية. كنا جميعنا «على الموجة نفسها». مسألة أخرى مهمّة: وافقوا على العمل في فيلم ليس من بطولة شخص واحد. نرجسية الممثل اللبناني تفرض عليه أن يكون البطل الوحيد. هؤلاء جميعهم وافقوا على التمثيل من دون التفكير بـ«البطل الواحد». 
العمل الأسهل في تنفيذ المشروع كلّه كان مع الممثلين. هؤلاء محترفون. اشتغلنا معاً على مدى ثلاثة أشهر لبناء كل شخصية على حدة. في هذه الفترة، كل ممثل أجرى بحثه الخاصّ بالموضوع والشخصيات. كل ممثل التقى تيما مراراً وتكراراً. ندى بوفرحات مثلاً تدرّبت على الرقص كي تظهر وهي ترقص لدقائق معدودة. ديامون بوعبّود راحت تسمع أصوات المدينة بشكل مكثّف وكثير. فادي أبو سمرا التقى خمسة نواطير وجلس معهم أياماً وأياماً. حسان مراد زار صانع «مانوكانات». إلخ. هذه حرفية مهنية سهّلت عليّ تحقيق الفيلم. ثم هناك أمر آخر أيضاً: لقاءاتي بالممثلين كانت منفتحة. استمعتُ إليهم كما استمعوا إليّ. الثقة عامل أساسي. اخترتهم لأني أثق بهم. كلّ شخصية تمّ بناؤها بالتعاون بينهم وبيني. منذر بعلبكي مثلاً كان لديه مشهد مكتوب في صفحتين. قرّر ألاّ يقول شيئاً مما هو فيه، ولم يفعل أثناء التصوير. ظهر المشهد لاحقاً بشكل أفضل. أنا شخصياً أؤمن بمشاركة الممثل في الكتابة. هو لا يريد أن يُنفّذ فقط. هؤلاء متعطّشون لعمل احترافي. لهذا، عملوا بنفسية رائعة وأعطوا الفيلم القوة والدقة اللتين أعطيتهما أنا له.
أودّ هنا التوقّف قليلاً عند كميل سلامة، الذي مثّل في «طالع نازل» قبل «غدي» لأمين درّة (الفيلم الأخير هذا عُرض تجارياً قبل فيلم حجيج).
^ لم أكن أعرفه شخصياً من قبل. شاهدتُ أعمالاً تلفزيونية له، وأحببتُ أسلوبه في الكتابة والعمل. شعرتُ بأنه يقول ما أريد قوله. بأن التلفزيون معه قادرٌ على أن يحكي مثلنا. مسرحية «بحسنة هالطفالا» شكّلت بالنسبة إليّ مفتاحاً لفهم طريقة عمله. شاهدتها مراراً. مرّت الأيام. العمل معه حلم بالنسبة إلي. في العام 2004، أردت العمل معه، لكنه كان على سفر. قال لي يومها: «أتمنّى العمل معك. سمعتُ عنك. لكني مسافر». هذا يعني لي الكثير. في العام 2010، اتصلت به مجدّداً. زارني في مكتبي، فرأى ملصق مسرحيته تلك معلّقاً على الحائط. كان لقاء رائعاً. أردته معي في الفيلم. لم أهتمّ أبداً بمسألة أنه لم يمثّل سينمائياً من قبل. قرأ السيناريو. لم أخبره أنه سيكون الطبيب. عرف لاحقاً. قلت له إنه سيمثّل من دون إظهار وجهه. قال لي: «أنا معك». هذه أروع جملة سمعتها في حياتي. بكل تواضع، وافق على التمثيل من دون ظهور وجهه. هذا يعني لي الكثير. قرار عدم التصوير من أمام متّخذ من البداية، ولم أكن في وارد التراجع عنه أبداً. حاول البعض إقناعي. بنوا ديكوراً وراء مقعد الطبيب. قلت لهم لن أستعمله. أخبرني الممثلون لاحقاً أنني أخسر الكثير لأني لا أصوّر انفعالات وحركات وطريقة تمثيل كميل من أمام. أصررت على قراري. هو أعطى من كل قلبه. مثّل بيده وصوته وجانبه. هذا مهم جداً.
هناك أيضاً الحوار المكتوب تماماً كما يُحكى في الواقع. هذا أمر نادر في النتاجات اللبنانية.
^ كمخرج، لدي هدفان أحبّ كثيراً تحقيقهما في السينما: أن أكتب نصّاً يُشبهنا ويُشبه حكينا، وأن أُتقن عملية إدارة الممثلين. أمضيتُ عاماً كاملاً وأنا أكتب النص والحوارات، ثم أغيّر وأضيف وأحذف. هذه هي الطريقة الاحترافية. لو أن كتبة النصوص التلفزيونية يشتغلون هكذا، لباتت أعمالهم تُشبهنا أكثر. أما إدارة الممثلين، فأنا أنتظر ردود فعل المُشاهدين.

جريدة السفير // أجرى الحوار: نديم جرجوره